إنجمينا/ آدم أبو بشال، كوكخان قاوق/ الأناضول
- يسعون لإحياء صلتهم التاريخية بتركيا عبر تعلم اللغة وزيارة موطن أسلافهم
** محمد أحمد يوسف توركاي، أحد أبناء العائلة:
- أبرز ما نطمح إليه اليوم هو الحصول على فرصة لتعلّم اللغة التركية
- رغم أن ثقافة الشوربة ليست منتشرة في تشاد، فإننا ما زلنا نتناول شوربة العدس حتى اليوم
** الأكاديمي أحمد كواس وسفير تركيا سابقا لدى تشاد:
- علمت بوجود هذه العائلات للمرة الأولى عام 2011 خلال لقاء ديني استضافته إسطنبول لقيادات إفريقية
- مشاركون من تشاد أخبروني آنذاك بوجود منطقة تُعرف محليا بـ"جنينة الترك"، ما دفعني بعد تعييني سفيرا إلى زيارة المنطقة والتواصل مع أفراد العائلة
داخل حي يعرف باسم "جنينة الترك" بمدينة أبشي شرقي تشاد، ما تزال مجموعة سكانية صغيرة تعرف باسم عائلة "توركاي"، تحافظ على إرث ثقافي متوارث منذ قرون، حيث تحولت قصتهم إلى واحدة من أقدم الشواهد الحية على الحضور التركي العثماني التاريخي في وسط إفريقيا.
ويقول أفراد العائلة إن جذورهم تعود إلى مجموعات من الجنود والتجار العثمانيين وصلت إلى المنطقة على مراحل، كان أبرزها خلال القرن التاسع عشر، فيما تشير رواياتهم الشفوية إلى وجود تركي أقدم من ذلك.
ويؤكد أبناء هذه العائلات أنهم ما زالوا يتمسكون حتى اليوم بعادات ورثوها عن أجدادهم، تشمل طقوس الزواج والجنازات وبعض الموروثات الغذائية، فيما يتطلعون إلى إعادة إحياء صلاتهم التاريخية بتركيا وتعلّم اللغة التركية باعتبارها جزءا من هويتهم التاريخية.
وتعيش هذه العائلات اليوم في حي "جنينة (حديقة) الترك" في مدينة أبشي، وأخرى تقيم في العاصمة التشادية إنجمينا، حيث يواصلون جهودهم للحفاظ على إرث أجدادهم ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وتقول العائلات إن فترات الاستعمار الفرنسي أدت إلى انقطاع شبه كامل في علاقتها مع تركيا، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت استعادة تدريجية لهذه الروابط مع تنامي حضور المؤسسات التركية ومنظمات المجتمع المدني التركية في تشاد.
وبحسب معلومات جمعتها الأناضول، تعود بدايات العلاقات بين المنطقة والدولة العثمانية إلى أوائل القرن السابع عشر، عندما استدعت سلطنة وداي الإسلامية، التي كانت تحكم أجزاء واسعة من شرق تشاد، مهندسا تركيا للمساهمة في بناء قصر جديد للحاكم.
وقام المهندس التركي وفريقه آنذاك بتعليم السكان المحليين تقنيات صناعة الطوب المحروق، قبل أن يشيدوا مجمعا معماريا ضم قصر السلطان ومساكن كبار المسؤولين وغرفا إدارية ومسجدا.
وفي منتصف القرن التاسع عشر، وبعد موجات جفاف ضربت العاصمة القديمة للسلطنة، تقرر نقل مركز الحكم إلى المنطقة التي تقوم عليها مدينة أبشي الحالية، حيث بُني أول مسجد هناك وأطلق عليه اسم "المسجد العتيق"، تيمّنا بمسجد القصر القديم، لتنمو المدينة تدريجيا حوله.
وخلال الفترة الممتدة بين 1850 و1900، قدمت الدولة العثمانية دعما للمجتمعات المسلمة في تشاد لمساعدتها على مواجهة التوسع الفرنسي، وأرسلت مجموعات صغيرة من الجنود لتدريب السكان على أساليب القتال الحديثة وصناعة الأسلحة.
وعقب انتهاء المهمة العسكرية، عاد معظم الجنود، غير أن ثمانية منهم قرروا البقاء في أبشي، فخصص لهم سلطان المدينة أراضٍ للعمل في الزراعة والبستنة، حيث نقلوا خبراتهم إلى السكان المحليين.
ومع مرور الوقت، تحولت تلك المنطقة الزراعية إلى حي عُرف باسم "جنينة الترك"، وهو الاسم الذي ما يزال معتمدا رسميا حتى اليوم في سجلات بلدية أبشي، ويقطنه نحو 200 شخص من أصول تركية يحملون اسم عائلة "توركاي".
وفي مرحلة لاحقة، استقر أيضا تاجر عثماني يدعى رمزي بك في تشاد خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولا يزال أحفاده يقيمون حتى اليوم في العاصمة إنجمينا، ويُعرف أبرز ممثلي العائلة باسم جمال رمزي.

وقال محمد أحمد يوسف توركاي، أحد أبناء العائلة، في حديث للأناضول، إن وجود أسرته في المنطقة يمتد إلى قرون طويلة.
وأوضح أن الروايات المتوارثة داخل العائلة تشير إلى أن أُولى المجموعات التركية وصلت إلى أبشي عبر مصر والسودان خلال القرن السادس عشر، بعد اضطرابات شهدتها المنطقة دفعت الحكام المحليين إلى طلب مساعدة الدولة العثمانية.
وأضاف: "أُرسل جنود عثمانيون من إسطنبول إلى المنطقة، وبعد انتهاء مهمتهم استقر بعضهم هنا، في المنطقة التي تعرف اليوم باسم جنينة الترك".
وأشار إلى أن موجة ثانية من الوافدين الأتراك وصلت خلال القرن التاسع عشر، موضحا أن شخصين يدعيان محمود توركاي ومحمد توركاي استقرا في المنطقة وتزوجا فيها، وأن أفراد العائلة الحاليين يعتبرون أنفسهم من أحفادهما.
وقال إن عدد أفراد المجتمع التركي المحلي يبلغ اليوم نحو 200 شخص موزعين على قرابة 48 عائلة، مبينا أنهم يمثلون الجيل الخامس من أحفاد محمود ومحمد توركاي اللذين استقرا في المنطقة خلال القرن التاسع عشر.
وأضاف أن الاستعمار الفرنسي حاول خلال فترات سابقة محو الإرث العثماني في المنطقة، إلا أن كثيرا من الملامح الثقافية بقيت حاضرة حتى اليوم.
وأوضح: "عندما يتوفى أحد أفراد العائلات التركية هنا يدفن في المقبرة الخاصة بالعائلات التركية، كما نحتفل سنويا في 29 أكتوبر، بعيد الجمهورية التركية بجهودنا الخاصة".
وأشار أيضا إلى أنهم ما زالوا يحافظون على بعض العادات الغذائية ذات الطابع التركي، مضيفا: "رغم أن ثقافة الشوربة (الحساء) ليست منتشرة في تشاد، فإننا ما زلنا نتناول شوربة العدس حتى اليوم".
وأكد محمد توركاي أن أبرز ما يطمح إليه أفراد العائلة اليوم هو الحصول على فرصة لتعلّم اللغة التركية.
وأضاف: "نحن نعتبر أنفسنا أتراكًا، لكننا نعيش هنا منذ زمن طويل ولم نعد نتحدث اللغة التركية، لذلك نأمل في افتتاح مركز لتعليم اللغة لأن ذلك يمثل أولوية كبيرة بالنسبة لنا".
كما أعرب عن رغبة أبناء العائلة في زيارة تركيا، وخاصة إسطنبول، باعتبارها المدينة التي جاء منها أجدادهم قبل قرون.
وقال: "نريد أن نرى المدينة التي قدم منها أجدادنا، ونأمل أيضا في الحصول على الجنسية التركية لأننا نعتبر أنفسنا جزءا من الأمة التركية".
** إحياء فصل من التاريخ المنسي
من جانبه، قال أحمد كواس، عميد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة إسطنبول التجارية، والذي شغل بين عامي 2013 و2015 منصب أول سفير لتركيا في إنجمينا، إنه علم بوجود هذه العائلات للمرة الأولى عام 2011 خلال لقاء ديني استضافته إسطنبول لقيادات إفريقية.
وأوضح أن مشاركين من تشاد أخبروه آنذاك بوجود منطقة تُعرف محليا بـ"جنينة الترك"، ما دفعه بعد تعيينه سفيرا إلى زيارة المنطقة والتواصل مع أفراد العائلة.
وأشار إلى أن بعض أبناء العائلة التحقوا لاحقا بالدراسة الجامعية في تركيا، فيما نفذت "تيكا" مشروعات للحفاظ على الإرث التاريخي في الحي.
وأضاف أن تاريخ هذه العائلات يحمل صفحات معقدة ومؤلمة، مشيرا إلى أن أحد أجدادهم ويدعى محمد بك، ويرجح أن أصوله تعود إلى مدينة مانيسا التركية، اعتقلته القوات الفرنسية خلال فترة الاحتلال البريطاني-الفرنسي، قبل أن يستقر نهائيا في أبشي ويتزوج فيها.
ولفت إلى أن "من بين ما تبقى من 350 عاما من العلاقات العثمانية التشادية، ما تزال جنينة الترك وعائلة توركاي تمثلان الشاهد الأبرز على هذا التاريخ".
وختم بالقول: "رغم محاولات محو الاسم العثماني بعد أحداث دموية شهدتها المنطقة في مطلع القرن العشرين، ما تزال آثار ذلك الحضور قائمة، سواء في العمارة القديمة أو حتى في زراعة بعض النباتات والفواكه التي جُلبت آنذاك من طرابلس الغرب، وما يزال السكان المحليون يتحدثون عنها حتى اليوم".

وشهدت العلاقات بين تركيا والعائلات ذات الأصول العثمانية في تشاد دفعة جديدة بعد افتتاح السفارة التركية في إنجمينا عام 2013، ثم مكتب الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا" عام 2015، إلى جانب توسع نشاط المؤسسات المدنية التركية في البلاد.
وخلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تشاد عام 2017، باعتباره أول رئيس تركي يزور البلاد، استقبلته العائلات ذات الأصول التركية في المطار حاملين لافتة كتب عليها: "مرحبا بكم في منزلكم في تشاد.. جنينة الترك".
كما نفذت وكالة "تيكا" عام 2019 مشروعا لترميم قبور الجنود العثمانيين الثمانية الذين استقروا في المنطقة، في خطوة هدفت إلى الحفاظ على هذا الإرث التاريخي ونقله إلى الأجيال القادمة.
وشمل المشروع كذلك إنشاء نافورة في وسط حي جنينة الترك، إضافة إلى بناء سبيل ماء بطراز معماري عثماني أمام المسجد العتيق، مع نظام خزان يعمل بالطاقة الشمسية لتغذيته بالمياه.
وبينما أعادت تلك المشروعات إحياء جانب من الذاكرة العثمانية في أبشي، يأمل أبناء عائلة "توركاي" أن تكون بداية لمرحلة جديدة تعيد وصل ما انقطع مع تركيا، عبر تعلّم اللغة التركية، وزيارة موطن أسلافهم، ونقل هذا الإرث التاريخي إلى الأجيال القادمة.
news_share_descriptionsubscription_contact


