القاهرة/ الأناضول
- الخبير في اللوجستيات وسلاسل الإمداد والتوريد نصر الدين بوغاشيش: الضغط المتزايد على باب المندب يهدد كفاءة سلاسل التوريد العالمية ويرمي بثقله المباشر على الموارد الاقتصادية لدول المنطقة وبينها مصر.
- رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية خالد الشافعي: من المتوقع أن تصمد القناة مجددا بفضل عوامل جغرافية واقتصادية ولا أستبعد وجود وساطة مصرية لإنهاء التوتر الملاحي لتجنب تداعيات اقتصادية
قبل نحو 3 سنوات، هددت جماعة الحوثي اليمنية حركة الملاحة في مضيق باب المندب، بوابة العبور من البحر الأحمر إلى قناة السويس المصرية ومنها إلى البحر المتوسط.
آنذاك، تسببت هجمات حوثية على سفن في البحر الأحمر في خسائر للقناة، أحد أبرز مصادر العملة الصعبة في مصر، بلغت نحو 11 مليار دولار، وفق تصريحات مصرية.
وقبل نحو شهرين، عاد الحوثيون إلى استهداف الملاحة في البحر الأحمر، وسط تحذيرات مصرية من تداعيات أي اضطرابات في الممرات البحرية الدولية، وبينها القناة التي تربط قارتي آسيا وأوروبا.
كما شهدت خريطة السيطرة في اليمن تحولات في الفترة الأخيرة، مع تقدم الحوثيين في الساحل الغربي، وسيطرتهم على مناطق استراتيجية، بينها جزر في البحر الأحمر، منها جزيرة ميون في مضيق باب المندب.
ويقول خبراء في النقل البحري واللوجستيات والاقتصاد للأناضول إن قناة السويس صمدت خلال الأزمة السابقة، بفضل موقعها الجغرافي وأهميتها في حركة التجارة العالمية، واستعادة حركة السفن تدريجيا.
ويعتبرون أن المخاوف المصرية مشروعة، ويرون أنه لا يوجد تأثير حالي مباشر على القناة جراء التوترات، لأن الحوثيين لم يتوسعوا حتى اليوم في الاستهدافات.
ولم يستبعد بعضهم وجود وساطة مصرية، لاحتواء الأزمة التي قد تمس القناة بدرجة كبيرة، مرجحين أنها قادرة على الصمود مجددا في حال توسعت الاضطرابات وهددت حركة الملاحة.
ومنذ 20 يوليو/ تموز الماضي، تصاعدت التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن، مع إعلان الحوثيين فرض "حظر بحري" على السفن المرتبطة بالسعودية، ردا على ما يدّعون أنه حصار سعودي على مناطق سيطرة الجماعة في اليمن، جار المملكة.
وبالفعل، استهدف الحوثيون ناقلات نفط وسفنا سعودية في ممرات ملاحية إقليمية، كما شنوا هجمات على مواقع داخل المملكة، منها مطارات مدنية ومنشآت لإنتاج الطاقة، ما خلّف ضحايا مدنيين وأضرارا مادية.
ومنذ عام 2015، تقود السعودية تحالف دعم الشرعية في اليمن، الذي يساند الحكومة الشرعية، فيما تُتهم إيران بدعم الحوثيين، الذين يسيطرون على محافظات ومدن، بينها العاصمة صنعاء، منذ 2014.
قبل نحو أسبوع، أكدت القاهرة والرياض أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، بحسب الرئاسة المصرية عقب لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالقاهرة.
وقبلها بأيام، دعا السيسي، في قمة مجموعة "بريكس" بالهند، إلى الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات الدولية، في ظل التطورات الراهنة، ولا سيما مع مرور حجم كبير من حركة التجارة الدولية عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
وشنت الولايات المتحدة، في الآونة الأخيرة، هجمات عسكرية على مواقع في إيران، في ظل انسداد مسار المفاوضات بينهما، جراء خلافات بشأن الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي لإمدادات الطاقة والسلع.
وردت طهران بتنفيذ هجمات ضد ما قالت إنها منشآت ومعدات عسكرية أمريكية في دول عربية، لكن بعضها خلّف ضحايا مدنيين وأضر بمنشآت مدنية، ما أدانته الدول المستهدفة وطالبت بوقفه.
وفي 28 فبراير/ شباط الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا على إيران، ما خلف أكثر من 3 آلاف قتيل، بحسب طهران التي ردت بهجمات قتلت أمريكيين وإسرائيليين.
وقال الخبير في مجال اللوجستيات وسلاسل الإمداد والتوريد نصر الدين بوغاشيش للأناضول إن دعوة مصر إلى التهدئة والاستقرار في باب المندب تعود لكون المضيق "نقطة مفصلية"، وتنطلق من اعتبارات استراتيجية واقتصادية تمس الأمن القومي للبلاد.
وأوضح بوغاشيش أن أي "اضطراب في باب المندب سينعكس فورا وبشكل آلي على قناة السويس شريان مصر الحيوي، حيث ستتحول السفن عن القناة".
وأضاف أن "هذا يعني ضربة مباشرة لإيرادات القناة، التي تشكل ركنا أساسيا من موارد البلاد من النقد الأجنبي".
وحذر من أن "المشهد في باب المندب مفتوح على احتمالات صعبة، والضغط المتزايد على الممر بات يهدد كفاءة سلاسل التوريد العالمية، ويرمي بثقله المباشر على الموارد الاقتصادية لدول المنطقة، ومن بينها مصر".
بعد أيام من تصريحات السيسي، ووسط قلق عالمي من تصاعد الاضطرابات في باب المندب، خرجت القاهرة بتطمينات بشأن وضع قناة السويس.
وقال رئيس هيئة القناة الفريق أسامة ربيع، خلال احتفالية اليوم البحري العالمي لعام 2026، إن "القناة آمنة وحركة الملاحة بها منتظمة وخدماتها تعمل بكفاءة ومرشدوها على أعلى مستويات الأداء والجاهزية"، بحسب بيان للهيئة في 20 سبتمبر/ أيلول الجاري.
وتابع أن "حركة الملاحة بالقناة شهدت خلال أغسطس/ آب الماضي عبور 1358 سفينة، بإجمالي حمولات صافية 68.3 مليون طن، محققة إيرادات 567.1 مليون دولار".
ويُقارن هذا بعبور 1070 سفينة بإجمالي حمولات 45.2 مليون طن، وإيرادات 326 مليون دولار في أغسطس 2025، أي بزيادة 27 بالمئة في أعداد السفن، و51.1 بالمئة في الحمولات، و56.7 بالمئة في الإيرادات، وفق ربيع.
وأردف أن التحديات السابقة "انعكست بصورة مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، وامتدت تداعياتها إلى حركة الملاحة في قناة السويس".
واستدرك: "لكن هذه التحديات برهنت على أهمية القناة في تأمين سلاسل الإمداد العالمية، ورسخت مكانتها الرائدة عالميا، وأثبتت عدم وجود طريق بديل ومستدام للقناة".
ويقصد ربيع بالتحديات السابقة استهداف الحوثيين سفنا تجارية مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر وباب المندب، ردا على شنها حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة بداية من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
هذه الهجمات دفعت شركات شحن كبرى إلى تحويل مسار سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، ما تسبب بخسائر لقناة السويس بلغت نحو 11 مليار دولار، بحسب تصريحات حديثة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.
واستطرد ربيع قائلا إن القناة نجحت خلال فترة التحديات في تنويع مصادر الدخل، عبر توطين صناعة الوحدات البحرية وعقد شراكات مع القطاع الخاص واستحداث خدمات بحرية جديدة.
وتأتي هذه التطمينات مع إعلان شركتي الشحن "ميرسك" الدنماركية و"هاباغ-لويد" الألمانية، في بيانين يوم 14 سبتمبر/ أيلول، أن 4 خدمات مشتركة لنقل الحاويات ستستأنف المرور عبر القناة، بدلا من مسار رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا.
ولفت رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية خالد الشافعي، في حديث للأناضول، إلى أن الضغوط المادية التي فرضتها التوترات الأمنية عند باب المندب بعد أزمة 2023 لم تؤد إلى انهيار الهيكل التشغيلي للقناة.
وقال إن "القناة صمدت لأنها تملك المرونة الجغرافية والاقتصادية التي تضمن استمراريتها، واقتصار الخسائر على الجانب المالي المؤقت لحين استقرار الأوضاع الأمنية".
ولفت إلى تقديم القناة حوافز وتخفيضات في رسوم العبور وتنويع الخدمات الملاحية، ضمن جهودها لمواجهة الأزمة آنذاك.
ورأى أن قرار "ميرسك" و"هاباغ-لويد" بالعودة إلى قناة السويس يعكس أهمية الاعتماد عليها.
وتوقع الشافعي أن "تصمد القناة من جديد" بفضل عوامل جغرافية واقتصادية، خاصة أنها تستوعب في الظروف الطبيعية نحو 12 بالمئة من حركة التجارة العالمية ونحو 30 بالمئة من حركة الحاويات عالميا.
ولم يستبعد وجود وساطة مصرية لإنهاء التوتر الملاحي، معتبرا أنها خيار قائم لتجنب تداعيات اقتصادية محتملة تمس مصر والسعودية وبقية الدول المطلة على البحر الأحمر.
وقال الخبير في اقتصاديات النقل البحري واللوجستيات أحمد الشامي للأناضول إن هناك مخاطر تهدد باب المندب، لكن التأثير المباشر على قناة السويس لا يزال غير ملموس حتى الآن، مع استمرار نمو حركة الملاحة بالقناة.
واعتبر أن التهديدات الراهنة تختلف عن التوترات السابقة، خصوصا مع تحديد الحوثيين هذه المرة السفن السعودية هدفا لهم.
وشدد على أن التهديد لا يزال قائما وأن تطورات الأحداث ستحدد مدى تأثيرها على حركة الشحن.
وحذر الشامي من أن استمرار استهداف السفن سيدفع شركات الشحن إلى تعديل مساراتها.
واعتبر أن عودة "ميرسك" إلى استخدام قناة السويس تعكس قرارا اقتصاديا يرى أن المرور عبر القناة أكثر جدوى من الدوران حول رأس الرجاء الصالح.
وأفاد بأن اتساع استهداف الحوثيين للسفن قد يؤدي إلى تصعيد عسكري شامل يؤثر في حركة التجارة العالمية، وليس القناة وحدها، بنسب قد تصل إلى 25-30 بالمئة.
وأضاف الشامي أن قناة السويس تحقق حاليا معدلات نمو تدريجية في حركة الملاحة مقارنة بالعامين الماضيين.
وتوقع أن ترتفع إيراداتها لتتجاوز 7.5 مليارات دولار بحلول منتصف العام المقبل، مقارنة بأقل من 4 مليارات دولار في 2024، مع عدم استبعاد وجود وساطة مصرية لاحتواء الأزمة الراهنة.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story


