Wassim Samih Seifeddine
08 يوليو 2016•تحديث: 09 يوليو 2016
بيروت/ ميسم عزام/ الأناضول
المارون في شارع بلس بالعاصمة اللبنانية بيروت يعرفونه جيدًا، علامة فارقة محاذية لبوابة الجامعة الأمريكية، يتربع بين عشرات المطاعم الحديثة بخشبه المعتّق، هو صالون "سَفَر" للحلاقة، اُفتتح عام 1930، ومنذ ذلك الوقت يحافظ على إرثه الزماني والمكاني.
ما يميز "سفر" عن باقي الصالونات، عدد من أعلام الدول يتوسطها علم الأمم المتحدة، صغيرة قديمة، بعضها مهترئ كما لو أنها من حقبات زمنية مختلفة، مصفوفة بترتيب فوق رف عالٍ على الحائط الرئيسي.
يقول الحلاق "فيليب سفر" (67 عاماً)، إن الأعلام الموجودة على الرف، هدايا من بعض موظفي السفارات وبعثات المراقبين الدوليين، حيث كان معظمهم زبائن معتادين لدى والده، مضيفاً أنّ "هذا التقليد بدأ مع سفير فرنسا، عندما أهدى والدي علم بلاده، ثم تهافتت باقي السفارات لتترك أعلامها على الرّف هي أيضاً".
عند رؤية اللون الأزرق الطاغي على المكان، إضافة إلى الأعلام، قد يخيّل إليك للحظة أنه مقر مصغّر للأمم المتحدة.
يكمل "فيليب" الذي بدأ العمل في صالون والده عام 1958 "لم أستطع ترك الأعلام ظاهرة خلال فترة الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي، خوفًا من اتهامي بالعمالة من قبل عناصر المليشيات، فأخفيتها لمدة 15 عامًا"، بعد ذلك، طلب أحد الزبائن القدماء بإعادة الأعلام إلى مكانها بعد انتهاء الحرب لارتباطها بذاكرته الطفولية، ولا زالت ترقد مكانها منذ ذلك الوقت.
ووفق ما يتذكره "فيليب"، مرّ على المحل عدد لا يستهان به من الشخصيات المرموقة من سفراء وسياسيين وفنانين وأطباء والعديد من صانعي القرار.
الصور المعلقة في الخزائن وعلى الرفوف تثبت صدق أقوال "سَفر"، فترى صورًا له يقصّ شعر كمال جنبلاط أحد زعامات الطائفة الدرزية بلبنان في القرن الماضي، أو ريمون إده عميد حزب الكتلة الوطنية اللبنانية، وحتى نواف سلام سفير ومندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة.
يضاف إلى ذلك أنه حلق شعر الكثير من الشخصيات المؤثرة في الشأن اللبناني أمثال المفكر اللبناني منح الصلح، وأحد قياديي الثورة الفلسطينية جورج حبش، إضافة لأستاذي الجامعة الأمريكية أنطوان سعادة وقسطنطين زريق.
فضلًا عن رؤساء سابقين للجامعة الأمريكية مثل مالكوم كار الذي اغتيل على باب الجامعة نفسها، وبيتر دورمان، وفضلو خوري الرئيس الحالي، قائلًا: "كنت أحلق لفضلو وهو طفل صغير، وكنت أحلق لوالده.. مذهل كيف يتغير الزمن بهذه السرعة!".
خلف نظارته السميكة، يزمّ "فيليب" عينيه الزرقاوتين ليحاول تذكر تفاصيل قصته مع أبرز مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي ميشال عفلق، ليرويها قائلاً "أذكر كان العام 1974، وكنت قلقًا جدًا حيال قرار مجلس الأمن ليلتها، كانوا يريدون سحب القوات السورية من الجولان"، في إشارة لاتفاق فك الاشتباك بين القوات السورية والإسرائيلية بالجولان في 31 مايو/أيار 1974، لتثبيت الهدنة بعد الحرب العربية الأسرائيلية 1973.
يتابع فيليب "أخبرت ميشيل عن قلقي بينما كنت أقصّ له شعره، طمأنني أن هذا لن يحدث، وبالفعل، صبيحة اليوم التالي، سمعت عبر إذاعة الـBBC البريطانية أن المجلس قرر إبقاء القوات"، يبتسم "فيليب" لهنيهة، ثم يعلّق "كنت سعيدًا لكوني أول العامّة الذين يعرفون قرارًا ضخمًا ومهمًا مثل ذلك".
ومع أن يديه المتعبتين لم يعودا قادرتين على العمل مثل قبل، لكنه بقي مواكبًا للصرعات الجديدة، حيث أن عددًا كبيرًا من زبائنه الحاليين شبابا وطلابا يدرسون في الجامعة الأمريكية المواجهة لباب صالونه، اشترى مستلزمات حلاقة جديدة وماكينات حديثة، لكن في الجوارير ترقد عدته القديمة مغلّقة مثل الهدايا، "أنا لا أستغني عنها" يقول "فيليب".
لم يترك "فيليب" محله منذ خمسينات القرن الماضي، حتى خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي اشتعلت في نيسان/ أبريل 1975، "روحي هنا" كما يقول، مرّ على المحل حروب وأحداث كبيرة، هددت سلامته، لكنه وبحسب زعمه، لم يفكر للحظة في الخروج، قائلًا: "أنا باقٍ هنا حتى أوارى الثرى".