إسطنبول/ حميد دنديرك، غوكجه قره كوسه/ الأناضول
في قلب حي الفاتح التاريخي بإسطنبول، تختزن مدرسة بيوك رشيد باشا الإعدادية حكاية تعليمية بدأت عام 1850، وتعاقبت خلالها أجيال من الطلاب، فيما تبدلت أسماؤها ومراحل الدراسة فيها.
وعلى امتداد 176 عاما، واكبت المدرسة تحولات نظام التعليم في تركيا، وصولا إلى اعتمادها مدرسة إعدادية، لتجمع اليوم بين تاريخها الطويل وحياة دراسية تتجدد.
وتستعرض الأناضول في هذا التقرير تاريخ المدرسة، التي تحمل اسم قوجه مصطفى رشيد باشا، أحد أبرز رجال الدولة في فترة التنظيمات العثمانية (1839-1876)، والذي ارتبط اسمه بالإصلاحات، ولا سيما في مجالات الإدارة والتعليم والقانون.
** مدرسة الصبيان
بدأت المدرسة مسيرتها عام 1850 باسم "مدرسة الصبيان"، وهو الاسم الذي كان يطلق في الدولة العثمانية على مدارس التعليم الابتدائي للأطفال الذكور، وكانت تعرف أيضا باسم "مدارس الحي".
وكانت هذه المدارس تنتشر في الأحياء والقرى، وتمثل المرحلة الأولى من التعليم، إذ تقدم للأطفال أساسيات التعليم والتربية في سن مبكرة.
وخلال السنوات اللاحقة، انتقلت المدرسة بين مبان مختلفة، قبل أن تستقر لفترة في مبنى أصبح لاحقا جزءا من مديرية التربية الوطنية في إسطنبول.
وفي 18 يونيو/ حزيران 1919، تغير اسمها إلى "مدرسة بيوك رشيد باشا النموذجية"، ثم أصبحت عام 1948 "مدرسة بيوك رشيد باشا للتعليم الأساسي"، قبل أن تعرف لاحقا باسم "مدرسة بيوك رشيد باشا الابتدائية".
وفي عام 1985، توسعت قاعدة طلابها بعد نقل طلاب مدرسة أخرى إليها.
** مبنى تاريخي
وفي عام 1997، دخلت المدرسة مرحلة جديدة مع انتقال تركيا إلى نظام التعليم الأساسي الإلزامي المتواصل لمدة 8 أعوام، وتوحيد المرحلتين الابتدائية والإعدادية ضمن مؤسسة تعليم أساسي واحدة، فأصبح اسمها "مدرسة بيوك رشيد باشا للتعليم الأساسي".
وخلال تلك المرحلة، واصلت عملها ضمن فئة "مدارس التغذية والدراسة"، التي كانت توفر إلى جانب التعليم خدمات التغذية وفترات الدراسة والإشراف على الطلاب، ولا سيما أبناء الأسر العاملة.
وفي فبراير/ شباط 1998، انتقلت المدرسة إلى مبنى شيد عام 1933، وخضع لأعمال ترميم بعد الزلزال الذي ضرب إسطنبول عام 1978.
ويعد المبنى واحدا من 8 مبان مدرسية في إسطنبول تتمتع بالخصائص المعمارية نفسها، ويقع ضمن منطقة مصنفة موقعا حضريا وتاريخيا محميا.
** مدرسة إعدادية
وفي عام 2012، أعيد تنظيم التعليم في تركيا، وأصبحت المدرسة تقدم التعليم الإعدادي وتحمل اسمها الحالي "مدرسة بيوك رشيد باشا الإعدادية".
وقسم النظام الجديد التعليم الإلزامي إلى 4 سنوات للمرحلة الابتدائية، و4 للمرحلة الإعدادية، و4 للتعليم الثانوي.
وتقدم المدرسة اليوم التعليم الإعدادي لمدة 4 سنوات في مبنى يضم 18 فصلا دراسيا، إلى جانب قاعة للمؤتمرات، ومختبر للعلوم، وورشة للرسم، ووحدة للإرشاد، ومقصف، ومطعم مدرسي.
وإلى جانب التحصيل الدراسي، تنظم المدرسة برامج وأنشطة لتنمية المهارات الاجتماعية للطلاب، وتعمل على إعدادهم للالتحاق بالمدارس الثانوية ذات المستوى المرتفع.
** مصدر سعادة
وقال نائب مدير المدرسة حسين جان، في حديث مع الأناضول، إن المدرسة بدأت مسيرتها باسم "مدرسة الصبيان"، وشهدت على مر السنوات تغيرات في اسمها.
وأوضح أن أكثر من 500 طالب يتلقون التعليم فيها، فيما يبلغ إجمالي عدد العاملين من إداريين ومعلمين 32 شخصا.
وقال: "لدينا نحو 15 ناديًا تعليميًا يشارك الطلاب في أنشطتها. ولدينا فِرق للكرة الطائرة وتنس الطاولة، وغالبًا ما تحرز المركز الأول في المسابقات على مستوى المنطقة. وإلى جانب ذلك، ننظم الرحلات والفعاليات. ولدينا مدرسة شقيقة في البوسنة، وهم يزوروننا من حين إلى آخر، كما نزورهم نحن أيضًا".
وأضاف: "العمل في مدرسة تاريخية مثل بيوك رشيد باشا خلال المرحلة الأخيرة من مسيرتي المهنية يمثل مصدر سعادة خاصة بالنسبة لي".
وتابع: "معلمونا أيضًا سعداء جدًا بالعمل في مدرسة تاريخية كهذه. أعتقد أنني سأواصل العمل هنا حتى التقاعد، فقد تبقت أمامي سنتان. وأنا سعيد جدًا بالعمل في مدرسة تاريخية."
** التحصيل والأنشطة
وأشار جان إلى أن المدرسة تحقق نتائج جيدة، وأن العاملين فيها يحاولون إبقاء الطلاب مستعدين باستمرار للنجاح، مؤكدا أن إعداد الطالب لا يقتصر على الدروس والاختبارات.
وأضاف: "لا يُعَدّ الطالب من خلال الدروس وحدها، بل نقدم له أيضًا دعمًا معنويًا من خلال الأنشطة الاجتماعية، وننظم الرحلات".
وختم قائلا: "النجاح لا يتحقق بالدراسة وحدها، ولا بالدراسة المتواصلة. لا بد من وجود أنشطة من حين إلى آخر تتيح للطالب الاسترخاء واستعادة نشاطه. ونحن نحرص على توفير ذلك بشكل كبير".