غزة/ حسني نديم/ الأناضول
رغم مرور أكثر من ألف يوم على حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة، لا تزال منصات التواصل الاجتماعي تعيد إحياء قصص كثير من ضحايا الحرب، بعدما تحولت إلى أرشيف رقمي يوثق جانبا من جرائم إسرائيل، ويحفظ صور الضحايا وأسماءهم من الغياب.
ومع كل عدوان إسرائيلي جديد، سواء داخل قطاع غزة أو خارجه، يعيد فلسطينيون نشر صور وقصص لضحايا سابقين، تتقاطع مأساتهم مع الأحداث الجديدة، لتبقى تلك الحكايات حاضرة في الذاكرة الجماعية، بعد أن اختزلتها الأخبار في أرقام وإحصاءات.
وتشكل قصة "أم محمد أبو خماش" وهي فلسطينية توجهت لاستلام رفات نجلها "محمد" في 9 يوليو/ تموز الجاري، بعد أن قتله الجيش الإسرائيلي مؤخرا، أحدث حلقة في سلسلة المشاهد التي وثقتها منصات التواصل الاجتماعي.
وظهرت أبو خماش في مقطع فيديو، لاقى رواجا واسعا على المنصات والمواقع الإخبارية، وهي تفتح كيسا بلاستيكيا أسود اللون، يستخدم عادة لجمع المخلفات، ويحتوي على رفات نجلها.
وفي المقطع، بدأت الفلسطينية بالصراخ والبكاء بينما تحتضن جمجمة تقول إنها تعود لنجلها الذي قتله الجيش قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" شرقي مدينة دير البلح وسط قطاع غزة.
هذه الحادثة أعادت الحديث كذلك عن الفلسطينيين العزل الذين قتلتهم إسرائيل قرب ما يعرف بـ"الخط الأصفر" بزعم محاولة الاقتراب منه.
و"الخط الأصفر"، شريط أمني فرضته إسرائيل داخل قطاع غزة، حيث نص اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2025 على أن يشكل 53 بالمئة من مساحة القطاع، إلا أن الجيش وسعه ليسيطر على أكثر من 70 بالمئة من مساحة القطاع، كما يمنع الفلسطينيين من الوصول إليه.
ولم تقتصر وظيفة هذا الأرشيف الرقمي على توثيق الجرائم، بل امتدت إلى استحضار قصص ضحايا سابقين تتشابه مأساتهم مع الضحايا الجدد.
واقعة "أم خماش" استحضرت أيضا قصة الطفل ريان أبو العجين (3 سنوات)، والذي قُتل في 17 يونيو الماضي برصاص الجيش الإسرائيلي في حضن والده، في منطقة وادي السلقا شرقي مدينة دير البلح، قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
فيما أعادت جريمة قتل الطفل أبو العجين إلى الأذهان مأساة إعدام الطفل الفلسطيني محمد الدرة برصاص الجيش الإسرائيلي في سبتمبر/ أيلول 2000، في مشهد كان من الأكثر رسوخا في الذاكرة الفلسطينية والعربية.
وخلال الساعات الماضية، عاد اسم القيادي العسكري في حركة "حماس" محمد شبانة، إلى التداول على نطاق واسع، عبر منصات التواصل، لكن اللافت أن آلاف المنشورات لم تتوقف عند مقتله والذي أُعلن عنه نهاية ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بل استحضرت قصة بناته الأربع، تقوى ويقين وإيمان وإحسان، اللاتي قتلن في قصف على رفح في مارس 2025.
هذه القصة عادت إلى الواجهة بعدما نشر أحد المقربين من العائلة صورة لبنات شبانة الأربع وهن يبتسمن في مكان ما على شاطئ البحر.
وتفاعل العشرات مع هذه الصورة، من بينهم رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده، والذي قال على صحفته عبر منصة "فيسبوك" الأمريكية، إن الشقيقات الأربعة، ووالدتهن نشأت (أم أنس)، وشقيقهن الأصغر عز الدين، مهندس التقنيات، دفنوا في قبر واحد، لصعوبة فصل جثامينهم عن بعضها البعض.
وتابع في تعليقه على الصورة إن الجيش الإسرائيلي قتل 4 طالبات جامعيات متميزات، كل منهن تتفوق في مجال علمي مختلف، وذلك أثناء فترة نزوحهم، دون الإشارة إلى تاريخ معين.
وأضاف أن إسرائيل كانت قد قتلت قبل ذلك شقيقيهن أنس شبانة، والعريس عبد الناصر ليلة زفافه، وسبقهما شقيقهما محمود. وبذلك مُسحت العائلة من السجل المدني، لكن ذكراها ستبقى.
وفي يونيو الماضي، أعاد مقتل الطفلة اللبنانية زهراء شعيب إثر غارة جوية إسرائيلية على جنوبي لبنان، إلى الأذهان قصة الطفلة هند رجب التي قتلها الجيش الإسرائيلي في أواخر يناير/ كانون الثاني 2024.
وفي ذلك التاريخ، قُتلت هند بمنطقة تل الهوى جنوبي مدينة غزة، بعدما استهدف الجيش الإسرائيلي سيارة كانت داخلها مع أقاربها، حيث ظلت عالقة في السيارة بين جثث أقاربها الذين قتلوا فورا.
وعقب استهداف السيارة، تواصلت هند هاتفيا مع الإسعاف لإنقاذها، إلا أن الجيش الإسرائيلي استهدف الطاقم الإغاثي الذي جاء لنجدتها، وبعد 12 يوما عُثر على الطفلة وقد فارقت الحياة.
وأصبحت قصة هند، على مدار العامين الماضيين، واحدة من أكثر جرائم الحرب حضورا على منصات التواصل الاجتماعي، إذ يعاد تداولها كلما استُهدف أطفال في هجمات إسرائيلية.
وقال الصحفي الفلسطيني حسام شبات، في منشور عبر صفحته على منصة "فيسبوك" في 20 يونيو الماضي، إن "الطفلتين تبدوان متشابهتين جدًا. إحداهما هند رجب من غزة، والأخرى زهراء شعيب من جنوب لبنان. قُتلتا في تاريخين مختلفين، لكن كلتيهما فقدتا حياتهما على يد الكتيبة 52 نفسها التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي. تذكّروا اسميهما".
وفي 30 مارس/ آذار الماضي، استحضرت أنباء عودة عدد من الأطفال من الخُدّج مع مرافقيهم قادمين من مصر عبر معبر رفح، إلى قطاع غزة، بعد رحلة علاج دامت أكثر من عامين، مأساتهم التي واجهوها خلال أشهر الإبادة.
وقبل وصولهم بيوم، قال مدير عام وزارة الصحة بغزة منير البرش، على منصة شركة "إكس" الأمريكية، : "ثمانية أرواح عادت من الموت. حكاية أطفال الشفاء. رحلة إنقاذ بدأت تحت الحصار. وتنتهي بعودة الحياة إلى غزة".
وتابع: "لا يعرف الكثيرون قصة الأطفال الخُدّج التي عشناها لحظةً بلحظة، ونحن محاصرون داخل مجمع الشفاء الطبي، حين انقطع الوقود، وسكتت الحضّانات، وبدأت الأرواح الصغيرة تذبل أمام أعيننا واحدا تلو الآخر".
وأردف: "كانت لحظات لا تُحتمل. أطفال يقاتلون من أجل النفس، بلا أجهزة، بلا دفء، بلا حياة كافية. ونحن نناشد العالم: أنقذوا من بقي… قبل أن يفوت الأوان".
وأضاف: "في النهاية، خرج من بقي منهم حيا إلى مصر، في رحلة علاجٍ قاسية، حملوا فيها وجع البدايات.. وأمل النجاة. واليوم.. تعود الحياة من جديد".
وأشار إلى أن الأطفال العائدين كانوا ضمن حالات الخدج الذين تم إجلاؤهم من حضانات مستشفى الشفاء، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، في ظروف صحية بالغة الخطورة، نتيجة الاستهداف المباشر والإخلاء القسري، والنقص الحاد في الإمكانيات الطبية والرعاية المتخصصة لحديثي الولادة.
وفي 20 يونيو الماضي، قتلت غارة إسرائيلية على مخيم المغازي وسط القطاع، مصور قناة "الجزيرة" القطرية أحمد وشاح، ولم يكتف الفلسطينيون بنشر صوره بل أعادوا تداول صور شقيقه "محمد"، مراسل قناة الجزيرة مباشر، الذي قتلته إسرائيل في هجوم يوم 8 أبريل/ نيسان الماضي، لتسليط الضوء على مأساتيهما المتشابهة.
وفي قضية أخرى تتعلق بالصحفيين المفقودين، يعود اسم الصحفي نضال الوحيدي إلى الواجهة حينما يثار هذا الملف، ويتم تداول صورة وقضيته بشكل واسع.
وقطع الاتصال بالوحيدي منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة الإسرائيلية، حيث ما زال مصيره مجهولا حتى اليوم.
وبين الحين والآخر، يعيد ناشطون نشر صوره لمطالبة المنظمات الدولية بالكشف عن مصيره، في نموذج عن أطول قصص الغياب التي ارتبطت بالحرب.
وشنت إسرائيل، منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، بدعم أمريكي، استمرت عامين وقتلت خلالها أكثر من 73 ألف فلسطيني، وأصابت أكثر من 173 ألفا، إلى جانب دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
news_share_descriptionsubscription_contact
