غزة/ رمزي محمود/ الأناضول
**شقيق المفقود نادر النجار، محمد النجار:
- نادر خرج بحثا عن الطعام لأطفاله الستة في يونيو 2024 ولم يعد
- بحثنا عنه في المستشفيات وتواصلنا مع مؤسسات دولية وحقوقية دون الوصول إلى معلومة
- لا نعرف إن كان نادر حيا أو معتقلا أو قتل خلال الحرب
**الفلسطينية أم يوسف المصري:
- فقدت خلال الحرب ثلاثة أبناء بين القتل والاعتقال والفقد
- ابني جهاد اختفى أثناء محاولته العودة من رفح إلى شمال غزة
- لا نريد سوى معرفة الحقيقة ومصير أبنائنا
يحل اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الأحد، فيما لا تزال آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة تبحث عن أبنائها الذين فقدوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، دون معلومات حاسمة تحدد ما إذا كانوا قتلوا أو اعتقلوا أو ما زالوا على قيد الحياة.
وتقول وزارة العدل الفلسطينية إن أكثر من 11 ألفا و200 فلسطيني يعدون في عداد المفقودين أو المختفين قسرا منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بينهم أكثر من 4700 امرأة وطفل، إلى جانب قتلى لا تزال جثامينهم تحت الأنقاض، وأعداد غير معلومة من المعتقلين في منشآت إسرائيلية دون معلومات عن مصيرهم.
ولا تعني هذه الحصيلة أن جميع المفقودين تعرضوا للاختفاء القسري، إذ تشمل أشخاصا يعتقد أنهم تحت الأنقاض، وآخرين انقطع أثرهم خلال العمليات العسكرية أو عمليات النزوح، إضافة إلى حالات يشتبه في تعرض أصحابها للاعتقال دون الكشف عن مصيرهم.
وفي 21 أبريل/ نيسان الماضي، باشرت وزارة العدل عمل "الفريق الوطني لمتابعة ملف المفقودين والمختفين قسرا"، بهدف توحيد عمليات التوثيق والبحث والتعرف إلى الهوية، ومتابعة الحالات مع المؤسسات المحلية والدولية.
ويوافق 30 أغسطس/ آب من كل عام اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010، وبدأ إحياؤه عام 2011، بهدف تسليط الضوء على هذه الممارسة، والتأكيد على حق العائلات في معرفة مصير ذويها.
خرج بحثا عن الطعام
في خيمة بمواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، تنتظر ملك الكحلوت منذ أكثر من عامين خبرا عن زوجها نادر النجار، مدرب كرة القدم الفلسطيني الذي خرج بحثا عن الطعام لأطفاله الستة ولم يعد.
وتحتفظ الكحلوت على هاتفها بصور زوجها، فيما كبر أطفاله الأربعة وبنتاه خلال فترة غيابه، دون أن تتلقى الأسرة إجابة عن مصيره.
وكان النجار (39 عاما)، من سكان مخيم جباليا شمالي القطاع، قد نزح مع أسرته إلى مواصي خان يونس مع اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في بداية الحرب.
وقال شقيقه محمد النجار للأناضول إن نادر عمل قبل الحرب مدربا لكرة القدم، بعد سنوات قضاها في أندية غزة، لكن الحرب جعلت توفير الطعام لأطفاله المهمة الأكثر إلحاحا.
وأضاف: "نادر أعطى نفسه فرصا كثيرة لعدم الذهاب إلى مناطق توزيع المساعدات، لكن صعوبة الوضع ووجود أطفال يحتاجون إلى لقمة العيش دفعاه إلى الذهاب".
وفي 24 يونيو/ حزيران 2024، توجه نادر إلى منطقة الشاكوش شمال غربي مدينة رفح، حيث كان فلسطينيون يتجمعون للحصول على مساعدات، وفق شقيقه.
وكان قد توجه إلى المنطقة سابقا وعاد إلى أسرته، لكن آثاره اختفت في ذلك اليوم.
وقال محمد إن المنطقة شهدت إطلاق نار وهجمات إسرائيلية وسقوط قتلى، ما دفع الأسرة إلى البحث عن نادر في المستشفيات والمراكز الطبية وبين جثامين الضحايا.
وقال محمد: "توجهنا إلى جميع المستشفيات الميدانية والحكومية، ولم نترك جهة إلا وبحثنا لديها، لكننا لم نعثر على أي معلومة تخصه".
"لا نعرف أين هو"
وقال محمد: "لا نعرف مصير أخينا، ولا أين هو، ولا توجد لدينا أي معلومة حقيقية تفيد بمكانه أو مصيره أو حالته الصحية".
وأضاف أن الأسرة تواصلت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومؤسسة "هموكيد" الحقوقية الإسرائيلية، وجهات دولية وحقوقية وعائلات وصحفيين، بحثا عن أي معلومة.
وتابع: "نحن نعيش على الأمل (...) كل الطرق حتى الآن لم تقد إلى نادر".
وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها تلقت أكثر من 9900 استفسار من داخل غزة وخارجها بشأن مفقودين في غزة والضفة الغربية، وإنها تجمع المعلومات وتتواصل مع السلطات لمحاولة توضيح مصيرهم.
وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، قالت اللجنة إن آلاف العائلات في غزة ما زالت تنتظر أخبارا عن أقارب مفقودين، يعتقد أن كثيرا منهم تحت الأنقاض، فيما تعيق محدودية قدرات الطب الشرعي عمليات التعرف إلى الجثامين.
وبالنسبة إلى عائلة النجار، يمتد أثر غياب نادر إلى أطفاله الستة وزوجته، الذين فقدوا الأب والمعيل.
وقال محمد: "كيف أصف حال أبناء يفقدون أباهم؟ الأب هو السند والأمان ولقمة العيش والدفء، وكل هذا مفقود من أبناء أخي وزوجته".
قتيل ومعتقل ومفقود
ولم تقتصر خسائر عائلة النجار خلال الحرب على غياب نادر، إذ يقول محمد إن والدته و23 من أفراد عائلته قتلوا، بينهم شقيقات وأطفال ونساء، كما دمر منزل الأسرة وأصيب عدد من أفرادها.
ولدى الأسرة شقيق آخر يدعى صلاح، يقول محمد إنه محتجز لدى إسرائيل منذ نحو عامين، بعدما اعتقله الجيش من مستشفى كمال عدوان شمالي القطاع أثناء عمله في المجال الطبي.
وقال: "طرقنا كل الأبواب بحثا عنه، لكننا لم نصل إلى أي معلومة، وأصعب ما نعيشه هو أن يبقى مصيره مجهولا".
وأضاف: "نناشد كل من لديه ضمير أن يقف بجانبنا، وأن يضع موضوع نادر وأخي صلاح الأسير على رأس الأولويات".
ثلاثة أبناء وثلاثة مصائر
وفي خيمة نزوح أخرى بمدينة خان يونس، تعيش الفلسطينية أم يوسف المصري انتظارا مشابها، بعدما فرقتها الحرب عن ثلاثة من أبنائها بمصائر مختلفة؛ قتل أحدهم، واعتقل الجيش الإسرائيلي آخر، فيما لا يزال الثالث، جهاد، مجهول المصير.
وكانت أم يوسف قد نزحت من بيت حانون شمالي قطاع غزة إلى جنوبه خلال الحرب.
وتقول للأناضول إن جهاد خرج برفقة صديق له في فبراير/ شباط 2024 من مكان نزوحه بمدينة رفح، محاولا العودة إلى شمال القطاع عبر حاجز أقامه الجيش الإسرائيلي على محور نتساريم وسط غزة، قبل أن تنقطع أخباره.
ومنذ ذلك الحين، لم تحصل الأسرة على معلومة تحدد ما إذا كان جهاد قد اعتقل أو قتل أو تمكن من الوصول إلى مكان آخر.
وقالت أم يوسف: "أعيش كل يوم على أمل أن يصلني خبر عنه، حتى لو كان خبرا بسيطا يدلنا على مكانه أو يخبرنا بما جرى له".
وأضافت: "الانتظار أصعب ما في الأمر، لأننا لا نعرف هل نحزن عليه ونودعه، أم نبقى متمسكين بالأمل في عودته؟".
وبالنسبة إليها، يضاعف غياب الإجابة ألم فقدان ابنها، إذ لا تعرف إن كان عليها انتظار عودته أم الحداد عليه.
وقالت: "إذا كان قد استشهد نريد أن نعرف أين هو لندفنه ونودعه، وإذا كان حيا نريد أن نعرف أين يوجد حتى نطمئن عليه".
وأضافت: "نحن لا نطلب سوى الحقيقة؛ نريد أن نعرف أين أبناؤنا وماذا حل بهم".
آلاف بلا مصير معلوم
وفي يوليو/ تموز 2025، قال خبراء أمميون إن نحو 4 آلاف فلسطيني، بينهم أطفال ومسنون، ظلوا في عداد المفقودين منذ 7 أكتوبر 2023، وأشاروا إلى توثيق "أنماط واسعة من الاختفاء القسري" بحق فلسطينيين في غزة وأجزاء أخرى من الأرض الفلسطينية المحتلة.
ودعا الخبراء إلى الكشف عن مصير جميع المفقودين وأماكن وجودهم، مؤكدين أن الاختفاء القسري لا يمكن تبريره حتى في حالات الحرب أو الطوارئ.
ويختلف هذا الرقم عن الحصيلة الفلسطينية الأحدث، البالغة أكثر من 11 ألفا و200، إذ لا تستخدم الجهات المختلفة المنهجية والتصنيف نفسيهما، كما تشمل الأرقام الفلسطينية نطاقا أوسع من حالات الفقد، بمن فيهم أشخاص يعتقد أنهم تحت الأنقاض.
وتعرف الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه اعتقال أو احتجاز أو اختطاف شخص على يد سلطات الدولة أو جهات تعمل بدعمها أو موافقتها، يعقبه رفض الاعتراف بحرمانه من حريته أو الكشف عن مصيره أو مكان وجوده.
وبدعم أمريكي، بدأت إسرائيل في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حرب إبادة على قطاع غزة، أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 174 ألفا، معظمهم أطفال ونساء.
news_share_descriptionsubscription_contact


