Ramzi Mahmud
24 يوليو 2026•تحديث: 24 يوليو 2026
غزة/ رمزي محمود / الأناضول
في منزل متواضع بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تحولت تحديات الإعاقة والحرب إلى قصة نجاح كتبتها ثلاثة قلوب تقاسمت الميلاد والطموح، لتتقاسم أيضاً فرحة التفوق في امتحانات الثانوية العامة.
ومع إعلان نتائج الثانوية العامة في فلسطين، علت الزغاريد في منزل عائلة "موسى"، بعدما نجح التوائم الثلاثة سما وعبد الله وندى حسن موسى في تحقيق معدلات مرتفعة، رغم ما عاشوه من نزوح وظروف قاسية فرضتها حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، فضلاً عن الإعاقة الحركية التي يعاني منها عبد الله وندى منذ الطفولة.
وجاء ذلك عقب إعلان وزارة التربية والتعليم الفلسطينية نتائج امتحانات الثانوية العامة للعام 2026، التي أُجريت هذا العام بالتزامن في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، وقطاع غزة للمرة الأولى منذ 3 سنوات، بسبب حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية.
** ترقب وانتظار
منذ ساعات الصباح، جلس الأشقاء الثلاثة برفقة أفراد عائلتهم يترقبون لحظة إعلان النتائج، وما إن دقت الساعة التاسعة صباحا ووصلت الرسائل النصية إلى هواتفهم، حتى دوى الصراخ فرحا داخل المنزل، وتعانقت الدموع مع الابتسامات.
وسرعان ما توافد الأقارب والجيران لتهنئة الأسرة بهذا الإنجاز، الذي رأوا فيه انتصارا على الحرب والإعاقة معا.
وحصلت سما على معدل 97.5 بالمئة، فيما نال عبد الله 94.6 بالمئة، وحققت ندى 94.4 بالمئة.
وقالت سما موسى، الحاصلة على أعلى معدل بين أشقائها، إن الظروف التي عاشها طلبة قطاع غزة خلال العام الدراسي كانت "استثنائية وقاسية"، مؤكدة أن الحرب تركت آثارا نفسية كبيرة على الجميع.
وأضافت في حديثها لمراسل الأناضول: "الحمد لله على كل حال، كنت أتوقع معدلاً أعلى، لكن الظروف هي التي حكمت على الإنسان بهذا المعدل".
وأوضحت أن الاستمرار في الدراسة وسط الحرب لم يكن سهلا، قائلة: "حتى نفسيا، الإنسان لم يكن يمتلك الطاقة ليكمل، لكن كنت أتحدى كل الظروف حتى أفرح أهلي وأحقق المعدل الذي حلمت به منذ سنوات".
** رحلة مشتركة
وتحدثت سما عن العلاقة الخاصة التي جمعتها بشقيقيها طوال رحلة الدراسة، موضحة أنهم خاضوا التحدي معا، وتقاسموا الصعوبات نفسها.
وأشارت إلى أن شقيقيها، بسبب إعاقتهما الحركية، لم يتمكنا من الذهاب إلى الدروس الخصوصية كبقية الطلبة.
وأوضحت قائلة: "كنا نضطر إلى إحضار المدرسين إليهم في البيت، لكنهم قرروا أن يتحدوا كل الظروف ويحصلوا على المعدل الذي يستحقونه (...) الحمد لله ربنا منّ عليهم بذلك".
** تعب لم يذهب هدرا
أما والدتهم هند مهنا، فبدت كلماتها ممزوجة بالفخر والامتنان، وهي تستعيد سنوات طويلة من الرعاية والمتابعة لأبنائها.
وقالت في حديثها للأناضول: "الحمد لله، تعبنا عليهم كثيرا، واليوم جنيت ثمرة نجاحهم، تعبنا لم يذهب هدرا".
وأضافت أن الأسرة حرصت منذ طفولة أبنائها على غرس الثقة في نفوسهم، وعدم السماح للإعاقة بأن تتحول إلى حاجز أمام أحلامهم.
وتابعت: "كنا نشعرهم أنهم أحسن من كل الناس، ومن الروضة حتى المدرسة كان كل من يعرفهم يسألني: ما سر ثقتهم بأنفسهم؟".
وبينت أن ابنها عبد الله خضع لـ5 عمليات جراحية نتيجة قصر في الأوتار سببه نقص الأكسجين أثناء الولادة، مؤكدة أنه لم يسمح لذلك بأن يعيق مسيرته التعليمية.
وختمت بالقول: "تحدى الصعاب، والحمد لله حصل على ثمرة تعبه".
** دعم الأسرة
من جهتها، أرجعت ندى موسى، التي حصلت على معدل 94.4 بالمئة، نجاحها إلى الدعم المتواصل الذي تلقته من والديها.
وقالت: "الحمد لله، بفضل والديّ كنت أتحدى كل الصعوبات، كانوا مساندين لي في كل خطوة، ولم يقصروا معي بأي شيء".
وأضافت أن أسرتها كانت الدافع الأكبر للاستمرار رغم الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب، قائلة: "الحمد لله تحدينا كل الصعوبات الكبيرة".
أما عبد الله موسى، فأوضح أن النجاح جاء بعد عام دراسي شاق امتلأ بالنزوح والمعاناة.
وقال للأناضول: "الحمد لله، كان معدلا يستحق التعب والجهد. كانت سنة صعبة جدا مليئة بالنزوح والصعاب، لكن رغم الآلام استطعنا أن نصل للقمة ونحقق الأهداف التي سعينا إليها".
وتجسد قصة الأشقاء الثلاثة نموذجاً لآلاف الطلبة الفلسطينيين في قطاع غزة الذين تمسكوا بحقهم في التعليم، رغم ما فرضته حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية من نزوح وفقدان للاستقرار وتدهور نفسي ومعيشي.
ويأتي إعلان نتائج الثانوية العامة هذا العام في ظل ظروف استثنائية عاشها طلبة قطاع غزة، الذين واصل كثير منهم الدراسة وسط النزوح، بعد تعطل العملية التعليمية وتدمير إسرائيل معظم المدارس.
وبحسب وزير التربية والتعليم الفلسطيني أمجد برهم، تقدم نحو 89 ألف طالب وطالبة لامتحانات الثانوية العامة هذا العام في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، وقطاع غزة، إلى جانب أكثر من ألفي طالب وطالبة في 46 دولة.
وأضاف أن أكثر من 106 آلاف طالب وطالبة تقدموا لامتحانات الثانوية العامة في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية، بينهم 36 ألفاً و900 طالب وطالبة هذا العام.
وأشار برهم إلى أن إسرائيل قتلت أكثر من 1100 طالب وطالبة كان من المفترض أن يتقدموا لامتحانات الثانوية العامة هذا العام.
ويعيش قطاع غزة تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، التي أدت إلى تدمير مئات المدارس والجامعات وتعطيل العملية التعليمية، وإجبار آلاف الطلبة على مواصلة دراستهم في ظروف استثنائية، بينها الخيام ومراكز الإيواء.
ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تشن إسرائيل، بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، أسفرت، وفق بيانات فلسطينية، عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 173 ألفاً، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى دمار واسع طال نحو 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.