Wassim Samih Seifeddine
22 مايو 2026•تحديث: 22 مايو 2026
حاصبيا (جنوبي لبنان) / وسيم سيف الدين / الأناضول
- نبيهة: لا يمكن لأحد أن يترك منزله بمثل هذه الظروف لولا القصف والخطر
- وكيل كنيسة دير سيدة صيدنايا: الكنيسة احتضنت جميع أبناء المنطقة بمختلف انتماءاتهم
- الراهبة ستيفاني: أبواب الدير فُتحت أمام الجميع دون سؤال عن الدين أو الطائفة
في القرى المسيحية جنوبي لبنان، لم تعد أجراء الكنائس وحدها تسمع، بل باتت تختلط بأصوات القصف الإسرائيلي وهدير الطائرات المسيرة، فيما يعيش آلاف السكان بين النزوح والخوف والحنين إلى منازل هُجروا منها قسرا.
وفي ظل توغل إسرائيلي داخل عشرات البلدات الحدودية، وتحذيرات متواصلة من العودة إليها، تكافح عائلات لبنانية نازحة للبقاء داخل أديرة وكنائس تحولت إلى ملاجئ مؤقتة، وسط مخاوف من أن يتحول النزوح القسري إلى واقع دائم.
ففي نطاق شريط أمني تفرض إسرائيل سيطرتها عليه بعمق يراوح بين 4 و12 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، تبدو قرى مسيحية حدودية في أقضية مرجعيون وحاصبيا وبنت جبيل، وكأنها عالقة بين النزوح والخوف والحنين إلى المنازل التي تركها أصحابها تحت وقع القصف.
وتشمل هذه البلدات القليعة، دير ميماس، برج الملوك، جديدة مرجعيون، راشيا الفخار، رميش، عين إبل، دبل، القوزح وعلما الشعب، وهي مناطق عرفت تاريخياً بصمود سكانها وتمسكهم بأرضهم رغم الحروب المتعاقبة.
وبينما تستمر التحذيرات العسكرية الإسرائيلية لسكان القرى الحدودية بعدم العودة إلى مناطق انتشار القوات، يعيش آلاف اللبنانيين حالة ترقب ثقيلة، وسط خوف من تحول النزوح المؤقت إلى واقع طويل الأمد.
ورغم القصف والدمار، لا يزال كثير من أبناء تلك القرى يتمسكون بأمل العودة.
"شبعنا حروب"
داخل غرفة صغيرة في دير سيدة صيدنايا، بحاصبيا، تجلس بديعة الحداد (65 عاما)، القادمة من بلدة إبل السقي الحدودية، محاولةً استعادة أنفاسها بعد أشهر من النزوح.
تقول للأناضول بصوت متعب: "تركنا بيتنا لأننا لم نعد نستطيع البقاء، القذائف والرصاص لا تتوقف ليلاً ونهاراً، وابنتي كانت ترتجف خوفاً".
وتروي كيف اضطرت إلى مغادرة منزلها بعدما بات النوم مستحيلاً، مضيفة: "قلت لابنتي لنغادر.. ونذهب إلى أي مكان يفتح الله لنا فيه بابا".
ورغم أن منزلها لم يُدمّر بالكامل، فإن آثار الانفجارات بدت واضحة داخله، وتقول: "دخلت البيت قبل أيام، فوجدت الثلاجة انتقلت إلى وسط المطبخ من قوة الضرب.. مشهد مؤلم".
وتعيش بديعة اليوم داخل "كونتينر" (حاوية من الصفيح) مع ابنتها وعائلة ابنها، بعدما استضافهن الدير، لكنها لا تخفي غضبها من استمرار الحروب وما خلّفته من خوف ونزوح ومعاناة متواصلة.
تضيف وهي تستعيد صورة أرض الزيتون التي لم تتمكن من الوصول إليها منذ سنوات: "أمضينا 3 سنوات بين الخوف والنزوح.. لقد أنهكتنا الحروب".
وتقول بديعة: "لن يعود شيء كما كان في السابق، لكن المهم أن يعمّ الهدوء وتطمئن القلوب".
نزوح قسري
أما السيدة نبيهة (لم تذكر اسم عائلتها) المهجرة من بلدة راشيا الفخار، فتقول إن سكان القرى الحدودية باتوا يعيشون على وقع القصف الدائم والخوف من المجهول.
وتضيف نبيهة (75عاما): "لا يمكن لأحد أن يترك منزله في مثل هذه الظروف، لولا القصف والخطر المستمر".
وترفض المواطنة اللبنانية العودة لتفقد منزلها بسبب استمرار القصف في محيط البلدة، مؤكدة أن كثيرين يعيشون المصير ذاته.
ومنذ 2 مارس/ آذار تشن إسرائيل هجوما موسعا على لبنان أسفر عن مقتل 3089 شخصا وإصابة 9397 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وفقا لمعطيات رسمية.
وتسببت الهجمات الإسرائيلية على لبنان في موجات نزوح واسعة، دفعت آلاف العائلات إلى الإقامة داخل خيام ومراكز إيواء مؤقتة، وسط اعتماد متزايد على المبادرات الفردية والتكافل المجتمعي لتأمين الاحتياجات الأساسية.
كما يواجه النازحون أوضاعا معيشية صعبة وسط تضرر واسع للمنازل ومصادر الدخل، واستمرار التوترات الأمنية التي تعرقل عودة كثير من العائلات إلى مناطقها.

الكنيسة ملاذ للنازحين
في قضاء حاصبيا، تحولت المؤسسات الدينية إلى مراكز إيواء للعائلات النازحة، في مشهد يعكس طبيعة التعايش الذي تتميز به المنطقة.
ويقول فارس اللحام، وكيل كنيسة حاصبيا ودير سيدة صيدنايا، إن كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس تمثل رمزاً للوحدة بين مختلف الطوائف.
ويضاف أن الكنيسة التي يعود تاريخ ترميمها إلى العام 1836 "احتضنت على مر العقود جميع أبناء المنطقة بمختلف انتماءاتهم".
ويستعيد حادثة يصفها بأنها تعبير عن خصوصية حاصبيا، قائلاً إن جنازة أحد أبناء الطائفة الدرزية أقيمت داخل الكاتدرائية قبل نحو 30 عاماً، في سابقة تركت أثراً كبيراً لدى أبناء المنطقة.

"لا نسأل عن الطائفة"
داخل دير سيدة صيدنايا، تستقبل الراهبات العائلات النازحة القادمة من القرى الحدودية، حيث تقيم حاليا عدة عائلات من بلدتي إبل السقي وراشيا الفخار.
وتقول الراهبة ستيفاني للأناضول إن أبواب الدير فُتحت أمام الجميع دون سؤال عن الدين أو الطائفة، مضيفة: "هكذا هي حاصبيا... مدينة تعايش".
وتوضح أن الأهالي والمؤسسات المحلية والبلدية والجمعيات قدموا المساعدة للنازحين، من الغذاء والبطانيات إلى الوقود ومياه التدفئة.
وتتابع: "نحن لا نستطيع أن نترك الناس في الشوارع... هؤلاء خرجوا من بيوتهم تحت الحرب".
ورأت الراهبة أن الجنوب اللبناني "يدفع ثمن كل حرب"، مضيفة بأسى: "الجنوب عروس لبنان، من المؤلم أن يعيش كل هذا الدمار".
ورغم دخول هدنة حيز التنفيذ في 17 أبريل/ نيسان وتمديدها 45 يوما حتى مطلع يوليو/ تموز المقبل، تواصل إسرائيل خروقاتها للاتفاق عبر قصف واستهداف مناطق جنوبي لبنان.
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافات داخل الحدود الجنوبية للبنان.